الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

المقاومة والقضية الفلسطينية

*كتاب محاور المقاومة والقضية الفلسطينية*

يعد كتاب "محاور المقاومة والقضية الفلسطينية" للكاتبة كوثر محمد حسين وثيقة فكرية وسياسية بالغة الأهمية في توقيتها ومضمونها، حيث تسعى الكاتبة من خلاله إلى إعادة صياغة الوعي العربي والإسلامي تجاه واحدة من أعقد القضايا المعاصرة. ينطلق العمل من رؤية جوهرية تعتبر أن المقاومة ليست مجرد رد فعل عسكري طارئ على اعتداء مباشر، بل هي "قضية ووعي وثقافة وصمود" تعبر عن أعمق تجليات إرادة الشعوب في التحرر والكرامة. هذا التعريف الموسع ينقل المقاومة من حيزها الميداني الضيق إلى فضاء قيمي أرحب، حيث يصبح الدفاع عن الأرض رديفاً للدفاع عن الهوية والإنسان في مواجهة منظومات الظلم والاحتلال.

تطرح الكاتبة فكرة أن المقاومة تبدأ من "الوعي"، أي الإدراك العميق لطبيعة الصراع وجذوره التاريخية. فالوعي هو الحصن الأول الذي يحمي الفرد من الانجرار خلف "الضوضاء" الإعلامية وتزييف الحقائق الذي تمارسه القوى المهيمنة. ومن هنا، فإن الكتاب يعمل كصوت للحق في مواجهة محاولات التفتيت التي تستهدف المنطقة العربية، مسلطاً الضوء على "الخط الممتد" الذي يربط بين مختلف قوى المقاومة في جبهة واحدة متماسكة تهدف إلى حماية المنطقة من مشاريع الاستعمار الحديث.

تتجلى في ثنايا الكتاب صورة عميقة ومؤثرة لـ "الثبات"، وكيف تحول الألم والمعاناة الطويلة إلى مصدر للقوة المتجددة. حيث إن الشعوب التي عانت من ويلات الحروب والحصار لم تنكسر، بل استمدت من جراحها العزيمة على الصمود، محولةً الوجع التاريخي إلى طاقة فعل قادرة على تغيير موازين القوى. هذا التحول الوجداني هو ما تصفه الكاتبة بأنه "عنوان للتوازن والردع" في مرحلة ما بعد سنوات المعاناة، حيث أصبح محور المقاومة رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية أو دولية.

تشريح محور المقاومة: الفواعل والأدوار الجيوسياسية


يقدم الكتاب تحليلاً دقيقاً لمسار القوى التي تشكل "محور المقاومة"، موضحاً أن هذا المحور يمثل حائط الصد المنيع أمام محاولات إعادة رسم خارطة المنطقة بما يخدم المصالح الصهيونية والأمريكية. ترى الكاتبة أن قوة هذا المحور تنبع من "وحدة المصير" التي تجمع أطرافه، ومن التكامل الاستراتيجي الذي يسمح بتوزيع الأدوار بشكل يضمن الفعالية القصوى في مواجهة العدو المشترك.

الدور الإيراني والعمق الاستراتيجي للمحور


تشير الأدبيات والتحليلات المرتبطة بفكر الكاتبة إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمثل العمق الاستراتيجي والداعم الأساسي لقوى المقاومة. فقد ساهمت إيران في تطوير القدرات الدفاعية النوعية، مثل منظومات الصواريخ والطائرات المسيرة، التي غيرت قواعد الاشتباك. وتبرز هنا شخصيات قيادية مثل اللواء محمد حسين الذي لعب دوراً فعالاً في دعم محور المقاومة ومحاربة التنظيمات الإرهابية مثل "داعش"، وهو ما عزز من قدرة المنطقة على مواجهة مشاريع التقسيم.

إن الدعم الإيراني ليس مجرد دعم عسكري، بل هو دعم لمبدأ "البراءة من أعداء الله" والوقوف بجانب المستضعفين، وهو ما ينسجم مع الأبعاد الروحية والقرآنية التي تؤصل لها الكاتبة في عملها. هذا التكامل بين القوة المادية والدافع الروحي هو ما منح المحور صلابته في وجه الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية الهائلة.

اليمن: البصيرة والحكمة في نصرة فلسطين


تولي الكاتبة اهتماماً خاصاً بالدور اليمني ضمن محور المقاومة، معتبرة أن اليمنيين، بتمسكهم بكتاب الله وعترة آل البيت، قدموا نموذجاً فريداً في التضحية والفداء. ترى الكاتبة أن خروج الشعب اليمني في مسيرات "كالطوفان" لمباركة العمليات البطولية في فلسطين يعكس "قوة الإرادة" وبصيرة القيادة اليمانية، ممثلة بالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الذي جعل من القضية الفلسطينية قضية اليمن الأولى.

إن الموقف اليمني لم يكتفِ بالدعم اللفظي، بل انتقل إلى الفعل الميداني المؤثر، حيث أصبحت القوات المسلحة اليمنية جزءاً فاعلاً في معادلة الردع الإقليمية. تربط الكاتبة هذا الموقف بالجذور التاريخية والروحية لليمنيين، الذين استمدوا حكمتهم من اتباع سيرة الأئمة الأعلام مثل الإمام الهادي عليه السلام، الذي أقام العدل وقارع البغي. هذا الارتباط التاريخي يجعل من الدفاع عن فلسطين واجباً دينياً وأخلاقياً يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

القضية الفلسطينية: صراع الحق والباطل وحتمية المواجهة


في قلب كتاب الكاتبة كوثر محمد حسين، تبرز فلسطين كبوصلة وحيدة للأحرار. تصف الكاتبة ما يحدث في فلسطين بأنه "صراع بين الحق والباطل"، مؤكدة أن الوقوف مع الحق يتطلب العمل بالكلمة الحرة والمسيرات والفعاليات ومقاطعة منتجات الأعداء. ترى الكاتبة أن فلسطين تضحي بنفسها من أجل أن يحيا العرب والمسلمون أعزاء كرماء، فهي حجر عثرة أمام المشروع الصهيوني الذي يحلم بالاستيلاء على الأرض من المحيط إلى الخليج.

نقد التطبيع والحلول الاستسلامية


تشن الكاتبة هجوماً فكرياً لاذعاً على سياسات "التطبيع"، معتبرة إياها تزييفاً للحقائق وخيانة لدماء الشهداء. فالتطبيع في نظرها ليس مجرد اتفاقيات سياسية، بل هو تغلغل اقتصادي وثقافي يهدف إلى تدجين العقل العربي وجعله يتقبل وجود المحتل كأمر واقع. وتؤكد الكاتبة أن الحلول التي طرحت منذ عام 1948، من مفاوضات وبروتوكولات دولية، لم تكن سوى وسيلة لزيادة المآسي والجرائم الصهيونية، حيث أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة.

إن استمرار الحصار على غزة، الذي تصفه الكاتبة بأنه "سجن كبير"، هو وصمة عار في جبين العالم الصامت. ومع ذلك، فإن هذا الحصار هو الذي ولد "طوفان الأحرار"، حيث أثبت المقاومون أن الإرادة قادرة على اختراق أعتى التحصينات الجسدية والنفسية.

طوفان الأقصى: زلزال الوعي والانتصار العسكري


تتناول الكاتبة عملية "طوفان الأقصى" كمنعطف تاريخي جسد سنوات الصبر والإعداد. ترى الكاتبة أن هذا الطوفان لم يكن مجرد عرض عسكري، بل كان "عزة لكل عربي ومسلم" كشف هشاشة الكيان الصهيوني وقوة إرادة المقاوم. تصف الكاتبة المشاهد البطولية للإنزال المظلي واقتحام المستوطنات بأنها "عذاب أنزل من السماء" على الصهاينة المجرمين، محققة انتصاراً نفسياً وعسكرياً أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية في صدارة الأحداث العالمية.

إن هذا الانتصار، حسب رؤية الكاتبة، يسعد كل شهيد ارتقى في سبيل الله، ويسعد القادة الذين مهدوا الطريق لهذا اليوم العظيم مثل الحاج قاسم سليماني والسيد عبد الملك الحوثي. لقد تحول الألم والوجع العتيق إلى رد قاسٍ زلزل أركان الكيان، وأثبت أن الصمت العربي المطبق لم يستطع إخماد جذوة المقاومة في نفوس الأحرار.

الخلاصة: صيرورة المقاومة من الوجع إلى النصر

يمثل كتاب "محاور المقاومة والقضية الفلسطينية" للكاتبة كوثر محمد حسين رحلة في أعماق الروح المقاومة. إنه عمل يرفض الهزيمة النفسية ويؤصل لثقافة الانتصار القائم على الوعي والصمود. من خلال تحليل مسار القوى، واستعراض تأثير المقاومة على المجتمع، ورسم صورة مؤثرة للثبات، تنجح الكاتبة في تقديم مرافعة فكرية قوية لصالح الحق الفلسطيني.

إن الرسالة الأساسية التي يتركها الكتاب في نفس القارئ هي أن "الحقيقة" موجودة خلف ضباب التزوير، وأن القضية الفلسطينية ستبقى حية طالما أن هناك شعوباً تؤمن بأن كرامتها من كرامة القدس. المحور الذي تتحدث عنه الكاتبة ليس مجرد تحالف عسكري، بل هو "صوت الحق" الذي يرى، وهو الأمل الذي تحول من ألم إلى قوة قادرة على رسم مستقبل جديد للمنطقة، بعيداً عن الظلم والاحتلال وتؤكد الكاتبة في نهاية المطاف أن "لا أمن ولا سلامة في وجود المحتل"، وأن المقاومة هي المسار الطبيعي والوحيد لاستعادة الأرض وحماية الإنسان. وبذلك، يظل كتابها "محاور المقاومة" منارة فكرية تضيء الدرب لكل باحث عن الحقيقة في زمن الضوضاء والتزييف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سامبوك

هدفنا هو توفير كتب مجانيه للقراء




تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *