*كتاب كيف ينهض العرب*
يُعد مطلع القرن العشرين لحظة فاصلة في تاريخ المشرق العربي، لحظة تداخلت فيها نهايات إمبراطورية عظمى مع بدايات وعي قومي يتلمس طريقه وسط الضباب. في هذا السياق المشحون بالقلق التاريخي والتوثب الحضاري، برزت مدينة بيروت كمنارة إشعاع فكري ومسرح لصراع الهويات، حيث كانت المطابع تقذف يوميًا بآراء ومناظرات تشكل في مجموعها إرهاصات "النهضة العربية الثانية". ولم تكن هذه النهضة مجرد ترف فكري، بل كانت استجابة وجودية لتحديات سياسية وثقافية هددت بمسح الهوية العربية تحت وطأة سياسات التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي في أواخر العهد العثماني.
في خضم هذا الغليان، وفي عام 1913 تحديدًا، وهو العام الذي شهد انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس وبروز المطالب العربية الإصلاحية على السطح الدولي ، ظهر كتاب صغير الحجم، عظيم الأثر، يحمل عنوانًا استفهاميًا ومصيريًا: "كيف ينهض العرب". لم يكن مؤلف هذا الكتاب سياسيًا مخضرمًا خبر دهاليز الباب العالي، ولا جنرالًا عسكريًا يخطط للانقلابات، بل كان فتى يافعًا لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، يُدعى عمر فاخوري. هذا الفتى، الذي سيصبح لاحقًا أحد أعمدة الفكر والأدب في لبنان، طرح في باكورة أعماله رؤية استشرافية تجاوزت نضج سنه، مقدمًا تشخيصًا سوسيولوجيًا لأمراض الأمة، ووصفة علاجية تعتمد على "الثورة الفكرية" وتأسيس "غاية كمالية" جامعة.
تهدف هذه المقاله المطولة إلى تقديم قراءة استقصائية شاملة لظروف نشأة هذا الكتاب، ومحنة مصادرته التي تكاد تشبه الروايات البوليسية، وتحليل مضامينه الفكرية بعمق يربط النص بسياقه التاريخي والمراجع الفلسفية الغربية التي استند إليها، وصولًا إلى استشراف أثره الممتد الذي جعل منه وثيقة تأسيسية للفكر القومي العربي، وصرخة لا يزال صداها يتردد حتى اليوم في واقع عربي ما زال يبحث عن إجابة للسؤال ذاته: كيف ينهض العرب؟
السياق الزماني والمكاني.. بيروت عام 1913
المشهد الجيوسياسي والفكري
لفهم عمق الطرح الذي قدمه عمر فاخوري، لا بد من تفكيك المشهد العام لعام 1913. كانت الدولة العثمانية، "الرجل المريض"، تعاني من سكرات الموت، وتتلقى الهزائم في البلقان وطرابلس الغرب، مما دفع حكامها الجدد من حزب الاتحاد والترقي إلى التشدد في المركزية وسياسات التتريك كطوق نجاة متوهم للحفاظ على وحدة الإمبراطورية. في المقابل، كانت النخب العربية، وتحديدًا في حواضر بلاد الشام ومصر، تعيش حالة من القلق الوجودي؛ هل يتمسكون بالرابطة العثمانية الجامعة، أم يبحثون عن إطار جديد يحفظ لهم لغتهم وتاريخهم وكيانهم؟
في بيروت، كانت الحركة الإصلاحية في أوجها. تأسست "جمعية بيروت الإصلاحية" كمنبر للمطالبة باللامركزية الإدارية واعتماد اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية. كان هذا الحراك لا يقتصر على النخب السياسية التقليدية، بل تغلغل في أوساط الشباب والطلاب، خاصة طلاب "الكلية العثمانية" التي كانت بمثابة حاضنة للوطنية، والتي درس فيها عمر فاخوري ورفاقه الذين سيصبحون لاحقًا "شهداء السادس من أيار"، مثل محمد المحمصاني وعبد الغني العريسي وعمر حمد.
كيف ينهض العرب": صرخة في وجه الصمت
في هذا الجو الملبد بالغيوم السياسية، جاء كتاب عمر فاخوري ليكون بمثابة "مانيفستو" (بيان) للجيل الجديد. لم يكتفِ الكتاب بالمطالب الإصلاحية الآنية، بل غاص في الجذور الفلسفية والاجتماعية للتخلف والنهوض. كان صدور الكتاب في عهد جمال باشا (الذي لُقب لاحقًا بالسفاح) ووالي بيروت "أبو بكر حازم بك"، بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر، تعكس شجاعة أدبية نادرة لفتى في مقتبل العمر.
البنية التشخيصية.. لماذا تأخر العرب؟
تنتقل المقاله الآن من الظرف التاريخي إلى المتن الفكري للكتاب. يعتمد فاخوري منهجية التشخيص الطبي للأمة، رافضًا المسلمات القدرية ومحاولًا إخضاع التاريخ للمنطق العلمي.
توصيف الحالة: الأمة بين الموت والحياة
يبدأ فاخوري كتابه بمقدمة تشخيصية دقيقة، يرفض فيها النظرة التشاؤمية المطلقة التي تعتبر الأمة العربية "جثة هامدة". في نظره، الأمة تشبه "المريض الذي يوشك أن يدخل في طور النزاع"، فهي تعاني من "حركة فاترة ونبض ضعيف"، لكنها ليست ميتة. هذا التمييز جوهري، لأنه يفتح باب الأمل ويجعل البحث عن العلاج مسألة ذات جدوى. إنه لا يطلب "إحياء العظام الرميمة" بقدر ما يطلب إنعاش جسد منهك.
قراءة في فلسفة التاريخ: الصعود والسقوط
يخصص فاخوري الفصل الأول "شذرة تاريخية في أسباب نهضة العرب وسقوطهم" لاستقراء التاريخ. هو لا يسرد الأحداث كسجل وقائع، بل يبحث عن "السنن" (Laws) التي تحكم صعود الأمم وهبوطها. حيث سر النهوض: يرى أن العرب لم ينهضوا في صدر الإسلام بسبب كثرة العدد أو العدة، بل بسبب امتلاكهم لـ "غاية كمالية" (Ideal) وحدت قبائلهم المتناحرة، وحولت طاقتهم التدميرية (الغزو المتبادل) إلى طاقة بناءة موجهة نحو هدف أسمى وسر السقوط: يربط السقوط بفقدان هذه الغاية، وتحول الهمم نحو المصالح الفردية والصراعات الجانبية، مما أدى إلى تفكك "الوحدة الأدبية" التي هي أهم من القوة المادية.
نقد الواقع: التشتت وفقدان البوصلة
يصف فاخوري واقع العرب في زمانه (1913) بعبارات قاسية ومؤلمة: "وكأني بهم الآن وهم أفراد مشتتون لكل وجهة هو موليها، وكعبة يحج إليها". ينتقد الاكتفاء بالتدين الشكلي (الصلاة والصوم) مع غياب الوعي بـ "المقصد السياسي العلي" للدين، وهو بناء أمة قوية ومتماسكة. يرى أن العرب في عصره فقدوا الرابط الذي يجعل منهم "بنيانًا مرصوصًا"، فأصبحوا شتاتًا يسهل على الأغيار ابتلاع أوطانهم، مشيرًا بأسى إلى تونس والجزائر ومصر ومراكش وطرابلس التي وقعت تحت الاستعمار.
الخاتمة: وصية عمر فاخوري للأجيال
لقد كان كتاب "كيف ينهض العرب" مغامرة فكرية لفتى آمن بأن "الحياة جهاد، وقوة الحياة تكسب الحق فيها". لم يكتب عمر فاخوري لزمانه فحسب، بل كتب للمستقبل. إن رسالته الجوهرية تتلخص في أن النهضة ليست قرارًا سياسيًا فوقيًا، ولا هبة تمنحها الدول الكبرى، بل هي عملية مخاض داخلي عسير، تبدأ من "العقل" وتنتهي بـ "الدولة".
إن إحراق الوالي حازم بك لنسخ الكتاب لم يزد لهيبه إلا اشتعالًا في العقول والضمائر. لقد تحول الكتاب بفضل قصة مصادرته إلى رمز للمقاومة الثقافية، وشاهد على أن الكلمة الصادقة أقوى من سيف السلطان. وفي الختام، يتركنا فاخوري أمام حقيقة ناصعة: إن معركة العرب ليست معركة حدود وجغرافيا فقط، بل هي في جوهرها "معركة حضارة" ومعركة "إنسانية"، تتطلب منهم أن يقدموا للعالم نموذجًا أخلاقيًا وحضاريًا جديدًا، ولا سبيل لذلك إلا بامتلاك "غاية كمالية" توحد شتاتهم وتضيء طريقهم نحو المستقبل.
كما ورد في خاتمة كتابه، فإن الواجبات لا تقتصر على تحرير الأرض، بل تشمل "تنمية الوعي الإنساني، وتضييق الفوارق بين الفئات، وبذل الجهد لتبدل جذري في المواقف العقلية والضميرية". تلك هي النهضة الشاملة التي حلم بها الفتى البيروتيي، والتي ما زالت تنتظر من يحققها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق