*كتاب المسأله الشرقية*
تعد "المسألة الشرقية" حجر الزاوية في فهم التحولات الجيوسياسية التي عصفت بالعالم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وقد برز الزعيم المصري مصطفى كامل كواحد من أبرز المنظرين السياسيين الذين تناولوا هذه القضية من منظور شرقي وطني يهدف إلى نصرة القضية المصرية وربطها بمصير الخلافة العثمانية. في كتابه الصادر عام 1898م، والذي ألفه وهو في ريعان شبابه (الرابعة والعشرين)، لم يكتفِ كامل بالسرد التاريخي، بل قدم رؤية نقدية استراتيجية تهدف إلى رسم ملامح الجهاد السياسي لاستقلال مصر من خلال وضعها في إطار النزاع العالمي حول تركة الإمبراطورية العثمانية. يمثل هذا العمل محاولة جادة لتفنيد السرديات الاستعمارية الغربية وإعادة تعريف الصراع لا بوصفه صداماً بين الأديان، بل كنتيجة مباشرة للأطماع الإمبريالية الأوروبية التي اتخذت من حماية الأقليات ذريعة لتمزيق وحدة الشرق.
الإطار المفاهيمي والنشأة التاريخية للمسألة الشرقية
يعرف مصطفى كامل المسألة الشرقية بأنها ذلك النزاع القائم بين دول أوروبا والدولة العلية العثمانية بشأن البلاد الواقعة تحت سلطتها، وهو تعريف يتجاوز الجغرافيا ليشمل وجود الدولة العلية نفسها في قلب القارة الأوروبية. ومن الناحية التحليلية، يرى كامل أن هذه المسألة نشأت مع وجود الدولة العثمانية نفسها؛ فمنذ أن وطأت أقدام الأتراك ثرى أوروبا وأسسوا دولتهم الفخمة، قام النزاع الشديد ودارت الحروب العديدة التي غذتها الرغبة في الحد من التوسع العثماني.
إن التعمق في هذا المفهوم يكشف عن صراع معقد حول "رجل أوروبا المريض" -كما وصفته روسيا القيصرية- حيث تنافست بريطانيا وفرنسا وروسيا على تقاسم تركة هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف. ويرفض كامل بشدة حصر المسألة في بُعدها الديني كحروب صليبية مستمرة بين النصرانية والإسلام، معتبراً هذا الطرح "ستاراً تختفي وراءه أغراض شتى وأطماع مختلفة". فالدين، في نظره، لم يكن إلا أداة دبلوماسية قوية استخدمتها القوى الأوروبية للتدخل في الشؤون الداخلية للدولة العلية وإثارة القلاقل بين رعاياها.
الجذور العميقة في القرن الثامن عشر: صعود المارد الروسي
يحلل مصطفى كامل في كتابه أزمات القرن الثامن عشر بوصفها التمهيد الفعلي للمسألة الشرقية الحديثة، مركزاً على عهد القيصر بطرس الأكبر الذي انتشل روسيا من التخلف وأطلق عملية تحديث واسعة استهدفت مد نفوذ روسيا سياسياً وعسكرياً. ويبرز الكتاب الحرب الروسية العثمانية التي طالت من أواخر عام 1768م إلى عام 1775م كأزمة مفصلية أدت لفتح أبواب التدخل الأوروبي تحت ذرائع دينية.
خلال هذه الفترة، تجلت سياسات القوى الأوروبية في محاولات استغلال الضعف العثماني؛ حيث كانت النمسا وبروسيا تارة تتوسطان لعقد الصلح وتارة تطمعان في اقتطاع أراضٍ عثمانية. ويشير كامل إلى ذكاء القوى الأوروبية في ربط المسألة الشرقية بمسائل أوروبية أخرى، مثل "مسألة بولونيا" (بولندا)، حيث تم الاتفاق بين روسيا وبروسيا والنمسا على تقسيم بولندا كبديل عن توسع روسيا في أراضي البغدان والأفلاق العثمانية، وذلك للحفاظ على التوازن الأوروبي الهش.
معاهدة كوجك كاينارجي وآثارها الكارثية
يصف مصطفى كامل شروط الصلح التي اقترحتها روسيا في تلك الحقبة بأنها كانت "لا يمكن قبولها" لدول أوروبا، ناهيك عن العثمانيين، حيث شملت الاستيلاء على أزوف وكباردة واستقلال القرم وحرية الملاحة في البحر الأسود. إن هذه الشروط لم تكن مجرد مكاسب ترابية، بل كانت ضربة قاصمة للسيادة العثمانية وبداية حقيقية لتمزيق أوصال الدولة من الداخل عبر تشجيع الحركات الانفصالية في اليونان وغيرها، حيث أرسلت روسيا بطلاً يدعى أورلوف لتهيج اليونانيين ضد الدولة العلية.
المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر: التكالب الاستعماري
ينتقل كامل في تحليله إلى القرن التاسع عشر، الذي شهد تجلي المسألة الشرقية في أبهى صورها التنافسية بين القوى الكبرى. ويبدأ هذا القرن بحملة بونابرت على مصر، التي يعتبرها كامل الشرارة التي أشعلت التنافس المباشر بين فرنسا وبريطانيا على الأراضي العثمانية. وفي هذا السياق، يتناول الكتاب الثورة اليونانية عام 1821م، موضحاً كيف انقسمت القوى الأوروبية بين رغبة النمسا في الحفاظ على كيان الدولة العثمانية وبين سعي روسيا لدعم الانفصال اليوناني لإضعاف السلطنة.
ويركز كامل على مفهوم "الرجل المريض"، موضحاً أن الدول الأوروبية لم تكن ترغب في شفاء الدولة العثمانية، بل في إبقائها في حالة من الضعف تتيح لها استقطاع أجزائها تدريجياً. ويضرب مثالاً بمؤتمر برلين (1878م)، حيث دخلت إنجلترا المؤتمر مدعية الصداقة لتركيا وخرجت منه بالاستيلاء على جزيرة قبرص، وهو ما يصفه كامل بـ "المودة الإنجليزية الكاذبة".
عداوة إنجلترا: المحور المركزي للمسألة الشرقية الحديثة
في إعادة تعريف جذرية للمسألة الشرقية، يخلص مصطفى كامل إلى أن المسألة اليوم هي "عداوة إنجلترا للدولة العثمانية". ويرى أن بريطانيا، بعد احتلالها لمصر عام 1882م، أصبحت العدو الأكبر للخلافة الإسلامية وللوطنية المصرية على حد سواء. ويحلل كامل الاستراتيجية البريطانية القائمة على ضرب الرابطة العثمانية من الداخل، مشيراً إلى محاولات لندن إثارة "الخلافة العربية" كبديل للخلافة العثمانية لتمزيق وحدة المسلمين وتسهيل السيطرة عليهم.
إن ارتباط مصر بالدولة العثمانية، في نظر كامل، ليس مجرد رابطة تاريخية أو دينية، بل هو ضرورة استراتيجية للتحرر من الاستعمار البريطاني. فمصر لا يمكن أن تكون قوية ومستقلة إلا في ظل مظلة عثمانية تحميها من انفراد القوى الكبرى بها، ومن هنا كان كامل يرى في كل انتصار عثماني (مثل الانتصار على اليونان عام 1897م) انتصاراً للقضية المصرية.
استشراف المسألة الشرقية الجديدة
في ختام تحليله، يترك مصطفى كامل الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول مستقبل الشرق. إن "المسألة الشرقية" في ثوبها الجديد -كما يتناولها الباحثون المعاصرون- لا تزال تعبر عن صراع القوى العظمى على موارد المنطقة ومواقعها الاستراتيجية. وتظهر التطورات الأخيرة في العالم العربي أن ديناميكيات الهيمنة والتغلغل التي حذر منها كامل في نهاية القرن التاسع عشر لا تزال فاعلة، مع تغير في الوجوه والأدوات.
ويظل كتاب مصطفى كامل مرجعاً أساسياً لفهم كيف يمكن للروح الوطنية أن توظف التاريخ والدبلوماسية في معركة الوجود. إن رسالة كامل في "المسألة الشرقية" هي دعوة لليقظة الشرقية، والتمسك بالحقوق الوطنية، وفضح الأطماع الاستعمارية التي تتستر خلف شعارات براقة، وهي رسالة لا تزال تحتفظ براهنيتها في ظل التحولات الجيوسياسية المعاصرة. إن من يتسامح في حقوق بلاده، كما قال كامل، يبقى أبد الدهر "مزعزع العقيدة سقيم الوجدان"، وهي القاعدة الذهبية التي حكمت فكره السياسي في مواجهة المسألة الشرقية وكافة أزمات الوطن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق