*كتاب إشكالية الفصل بين الدين والسياسة*
تعد قضية العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ الفكر البشري، حيث تتراكم المعاني والتأويلات حولها عبر العصور، وغالباً ما تُصاغ تعريفاتها في أطر سياقية تاريخية واجتماعية متباينة. وفي مؤلفه المعروف بـ "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة" (Why Politics Can't Be Freed From Religion)، يقدم إيفان سترينسكي، أستاذ الدراسات الدينية المتميز بجامعة كاليفورنيا، استقصاءً جذرياً للمفاهيم والتأثيرات المحورية التي تشكل فهمنا المعاصر لهذه المجالات. ينطلق الكتاب من رؤية نقدية تهدف إلى تغيير النظرة التقليدية السائدة، متجاوزاً التنظير المجرد إلى تطبيق إطار فكري جديد على قضايا الواقع الكبرى، مثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر واحتجاجات إيران عام 2009 وظاهرة "المفجرين البشريين" في الشرق الأوسط.
السياق الزمكاني والتحدي الإبستمولوجي للرؤية
يبدأ التحليل برصد لحظة تاريخية فارقة، وهي احتجاجات يونيو 2009 في طهران، حيث يطرح سترينسكي سؤالاً جوهرياً حول طبيعة ما يراه المراقب عندما ينظر إلى صور المحتجين الإيرانيين. هل ما نراه هو "سياسة" محضة أم أننا بصدد ظاهرة "دينية"؟ هذا التساؤل ليس مجرد ترف فكري، بل هو تحدٍ إبستمولوجي يمس جوهر فهمنا للواقع المعاصر. يرى سترينسكي أن التصنيفات التقليدية التي تفصل بين "الديني" و"السياسي" قد لا تنطبق على الواقع في أماكن مثل إيران، مما يستدعي إعادة النظر في رؤيتنا الأشمل للعالم.
إن المشكلة تكمن في أن المفكرين والجمهور على حد سواء يميلون إلى استخدام مفاهيم "الدين" و"السياسة" و"السلطة" ككتل صلبة ومنفصلة، بينما هي في الواقع تداخلات سائلة ومعقدة. يهدف الكتاب إلى إدخال مفاهيم نقدية في "بوتقة خطاب الجامعات والمجتمع بصفة أعم"، لتمكين المفكرين من الاضطلاع بدورهم المسؤول في الحوار المجتمعي.
استقصاء مفهوم الدين: تفكيك الأوهام والكليشيهات السائدة
يمثل استقصاء مفهوم "الدين" حجر الزاوية في مشروع سترينسكي، حيث يسعى إلى تطهير العقل الأكاديمي والجمعي من مجموعة من "الكليشيهات" التي تحجب الرؤية الحقيقية للظاهرة الدينية في سياقها السياسي. يحدد التحليل ستة كليشيهات أساسية تسيطر على المنظور الغربي التقليدي وتؤدي إلى تشويه فهم التفاعلات الدينية السياسية.
ويرى سترينسكي أن هذه الكليشيهات، رغم انتشارها، هي "زائفة ومضللة وغير كافية" لفهم العالم المعاصر. إنها تعتمد على رؤية "بروتستانتية ليبرالية" تغلغلت في العلوم الاجتماعية، حيث يتم التركيز على الإيمان والضمير الفردي على حساب الطقوس والممارسات الجماعية التي تمتلك فاعلية سياسية واضحة.
الجدل حول "ملكية" مفهوم الدين وضرورته التحليلية
يتناول الكتاب قضية ملكية المفهوم وكيفية استخدامه من قبل علماء الاجتماع، مشيراً إلى الدور المحوري الذي لعبه إميل دوركايم في "الاستيلاء" على مفهوم الدين لتحويله إلى فئة سوسيولوجية تخدم فهم التماسك الاجتماعي. بالنسبة لدوركايم، الدين ليس مجرد إيمان بقوى خارقة، بل هو نظام من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأشياء "مقدسة" تفصلها عن الأشياء "المدنسة". ويستخدم سترينسكي هذا المنظور ليجادل بأن الدولة القومية الحديثة قد ورثت الكثير من سمات المقدس الديني، مما يجعل الولاء القومي شكلاً من أشكال التدين المدني.
الحوار النقدي مع طلال أسد: بين الجينالوجيا والفاعلية
يقدم سترينسكي نقداً مفصلاً ومعمقاً لطروحات الأنثروبولوجي طلال أسد، خاصة في كتابه "جينالوجيا الدين". يثني سترينسكي على أسد في نقطة واحدة جوهرية، وهي رفضه لتعريف الدين بناءً على "المعتقد" فقط، وتأكيده على أن الدين يشمل "الممارسات المتجسدة" والعواطف والجسد والقوة. ومع ذلك، يتركز الخلاف الجوهري حول نزعة أسد "الإلغائية" للمفهوم.
رفض فكرة غياب الجوهر الديني
يوجه سترينسكي نقداً صريحاً لقول طلال أسد بأنه "ليس هناك ما هو ديني في جوهره"، معتبراً أن استبعاد مفهوم الدين كما يقترح أسد سيجعل من المستحيل فهم أحداث تاريخية كبرى مثل الحادي عشر من سبتمبر. يرى سترينسكي أن الهروب من تسمية الظواهر بصفتها الدينية يؤدي إلى "ضيق أفق معرفي"، ويجعل فهمنا للثقافات والسياسة محدوداً وقاصراً عن الإحاطة بالدوافع الحقيقية للفاعلين.
التناظر عبر الثقافات والزمن
على عكس أسد الذي يرى في مفهوم الدين بناءً تاريخياً غربياً لا يمكن تعميمه، يطرح سترينسكي إمكانية إثبات أن الأغراض والاستراتيجيات الدينية متصلة بشكل متناظر عبر الزمن والثقافات. فعلى سبيل المثال، يحلل سترينسكي عمليات "المفجرين البشريين" بوصفها تضحية دينية تناظر شعائر الأضحية التاريخية المذكورة في القرآن، معتبراً أن اللغة والطقوس المصاحبة لهذه الأعمال لا يمكن تعريفها إلا بوصفها دينية.
وينتقد سترينسكي ما يسميه "تناقض أسد"، حيث يحاول الأخير تبني موقفين متناقضين: إلغاء مفهوم الدين من جهة، واستخدامه المستمر للإشارة إلى الإسلام والمسيحية في خطابه العادي من جهة أخرى. يصف سترينسكي هذا الموقف بأنه يترك دراسة الدين في حالة من "التعليق المؤقت"، مما يعيق قدرة العلم على بناء نظريات تفسيرية مفيدة.
الخلاصة: نحو أفق جديد لفهم الدين والسياسة
يقدم إيفان سترينسكي في "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة" إطاراً نظرياً يتحدى المسلمات الليبرالية والعلمانية. ومن خلال تحليل مفاهيم الدين والسلطة والسياسة، ينتهي إلى ضرورة الاعتراف بتداخل هذه المجالات لا كعرض طارئ، بل كحقيقة بنيوية في المجتمعات البشرية. إن الرسالة الجوهرية للكتاب هي أن فهمنا للقرن الحادي والعشرين يتطلب التخلي عن "الكليشيهات" والاعتراف بأن "المقدس" لا يزال يلعب دوراً محورياً في تشكيل الصراعات والولاءات والسياسات العالمية.
إن الكتاب يمثل دعوة للمفكرين للاضطلاع بمسؤوليتهم في تقديم لغة جديدة قادرة على تفسير العنف، والولاء، والتضحية، والفاعلية الإنسانية في صورتها الأكثر تعقيداً، بعيداً عن تبسيطات "العلمنة" أو اختزاليات "الصراع الديني" المحض. السياسة، في نهاية المطاف، لا تزال تتحرك في فلك "المقدس"، والدين لا يزال يمثل "السلطة المعنوية" التي تمنح الأفعال السياسية معناها وشرعيتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق