*رواية ميرامار*
تمثل رواية "ميرامار" (1967) لنجيب محفوظ علامة فارقة في تاريخ السرد العربي المعاصر، ليس فقط لكونها استشرفت ببراعة فنية نادرة أزمة المجتمع المصري قبيل نكسة يونيو، بل لأنها قدمت بنية سردية "بوليفونية" (متعددة الأصوات) استطاعت استيعاب التناقضات الأيديولوجية والطبقية التي خلفها حراك يوليو 1952. تدور أحداث الرواية في مدينة الإسكندرية، التي تتحول من مجرد فضاء جغرافي إلى معادل موضوعي للذاكرة القومية والشتات الوجداني، حيث يجتمع في بنسيون "ميرامار" شتات من الشخصيات التي تمثل أطياف المجتمع المصري، بدءاً من أرستقراطية ما قبل الثورة، مروراً بالانتهازية السياسية الجديدة، وصولاً إلى الحلم الشعبي الخام المتمثل في الفلاحة "زهرة".
الإسكندرية كعتبة للذاكرة والضياع
تبدأ الرواية بعودة عامر وجدي، الصحفي الثمانيني المخضرم، إلى مدينة الإسكندرية، وهي العودة التي يصيغها محفوظ بلغة شعرية مكثفة تستحضر المدينة كـ "قطر الندى، ونفثة السحاب البيضاء، ومهبط الشعاع المغسول بماء السماء". هذا الاستهلال ليس مجرد وصف طبيعي، بل هو استحضار لمكان "طهراني" في الذاكرة، يقابله واقع مادي متآكل يتمثل في "العمارة الضخمة الشاهقة" التي تطالع الزائر "كوجه قديم" يعرفه ولا يعرفه، حيث "كلحت الجدران المقشرة من طول ما استكنت بها الرطوبة". إن هذا التقابل بين الإسكندرية المتخيلة (مدينة الذكريات المبللة بالشهد والدموع) والإسكندرية الواقعية (الجدران المقشرة والمبالاة الباردة للأبنية) يعكس الفجوة الجيلية والسياسية التي يحاول عامر وجدي ردمها.
تتجلى عبقرية محفوظ في ربط المكان بالحالة النفسية للشخصية؛ فالإسكندرية بالنسبة لعامر وجدي هي "الملاذ الأخير" الذي يعكس حالة الرضا النفسي والمصير الذي آل إليه في خريف عمره. إن استهلال الرواة الأربعة أحاديثهم بذكر المكان يؤكد أن الفضاء في "ميرامار" ليس إطاراً جامداً، بل هو عنصر حيوي تشكله استجابات الشخصيات وانفعالاتها. فبينما يرى عامر وجدي في البنسيون "معقلاً تاريخياً"، يراه حسني علام (الشاب الإقطاعي الناقم) مكاناً يضج برائحة الموت والنفايات، حيث ينعكس سواد البحر المحتقن على عالمه الداخلي المليء بالغيظ والتمرد.
التقنية السردية: البوليفونية والحقيقة النسبية
الرؤية من الخارج والشفافية المكانية
في فصل عامر وجدي، نجد "شفافية" في وصف الإسكندرية تعكس رضاه النفسي، بينما في فصل حسني علام يتحول البحر إلى "وجه أسود محتقن". هذا الإسقاط النفسي على المكان (المعادل الموضوعي) هو ما يمنح "ميرامار" ثقلها الفني؛ فالراوي في "الرؤية من الخارج" قد لا يعرف إلا القليل عن وعي الشخصيات الأخرى، لكنه يصف بدقة السلوكيات الخارجية التي تكشف الزيف والخداع. فمثلاً، ماريانا التي تجلس ملفوفة في "برنس أبيض" وتجمع شعرها المصبوغ، تبدو لعامر وجدي كأيقونة، بينما يراها الآخرون مجرد سيدة عجوز تحاول التشبث بشباب زائل.
التحليل السسيوسياسي للشخصيات
تجسد شخصيات "ميرامار" الصراع المحتدم على الساحة المصرية في الستينيات. كل شخصية هي رمز لطبقة أو تيار سياسي، وتكامل رواياتهم يعطي تصوراً واحداً عما كان يجري في الواقع المصري.
صحفي متقاعد شهد ثورة 1919 وعصر سعد زغلول. يمثل الليبرالية القديمة التي تآكلت فاعليتها السياسية لكنها احتفظت بنقائها الأخلاقي. عودته للإسكندرية هي بحث عن السكينة، وهو الوحيد الذي يمنح "زهرة" نصيحة مخلصة بأن المعرفة هي الطريق الوحيد للخلاص.
طلبة مرزوق: الأرستقراطية الجريحة
وكيل وزارة سابق وأحد الأعيان الذين وضعوا تحت الحراسة القانونية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق