الجمعة، 16 يناير 2026

الفاشية

*كتاب الفاشية*

تمثل الفاشية واحدة من أكثر الظواهر السياسية تعقيداً في العصر الحديث، ليس فقط بسبب الدمار الذي خلفته في القرن العشرين، بل لقدرتها الفائقة على التلون والهروب من الأطر التعريفية الجامدة. في دراسته المعمقة "الفاشية: مقدمة قصيرة جداً"، يسعى المؤرخ كيفن باسمور إلى تفكيك هذه الظاهرة من خلال مجهر تحليلي يربط بين الأبعاد الأيديولوجية المتناقضة والواقع التاريخي الملموس. إن الفاشية، كما يطرحها باسمور، ليست مجرد نزوة استبدادية عابرة، بل هي منظومة متكاملة من الممارسات والأفكار التي سعت لإعادة صياغة الأمة على أسس حيوية وثقافية إقصائية، واضعةً الهوية القومية فوق كل اعتبار آخر من طبقة أو جندر أو دين.

إشكالية التعريف: التناقض كجوهر بنيوي للفكر الفاشي


يواجه الباحثون في العلوم السياسية معضلة كبرى عند محاولة وضع تعريف جامع مانع للفاشية؛ فهي أيديولوجية تفتخر بتناقضاتها. يشير باسمور إلى أن الفاشية تظهر كحركة ثورية ورجعية في آن واحد، وهي مفارقة تشكل جوهر قوتها وجاذبيتها. فهي ثورية لأنها ترفض النظام الليبرالي القائم وتسعى للإطاحة بالنخب القديمة واستبدالها بنخبة جديدة تدعي تمثيل إرادة "الشعب" الأصيل، وهي رجعية لأنها معادية بعمق للحركات التقدمية مثل الاشتراكية والنسوية، وتدعو للعودة إلى قيم تقليدية مفترضة.

تتجلى هذه التناقضات في الطريقة التي تخاطب بها الفاشية جماهيرها؛ فهي تدعو للعودة إلى الأرض والتقاليد الزراعية، بينما تظهر افتتاناً مرضياً بالتكنولوجيا الحديثة والآلة الحربية. إنها تدافع عن الملكية الخاصة ولكنها مستعدة لتأميمها أو إخضاعها بالكامل لمصلحة "الأمة". هذا التذبذب ليس خللاً في المنظومة، بل هو أداة براغماتية سمحت للفاشية بجذب أطياف اجتماعية متنافرة، من المحاربين القدامى الناقمين إلى المثقفين الحالمين بنظام جديد.


الجذور التاريخية: أزمة الحداثة والمخاض بعد الحرب العظمى


لا يمكن فهم صعود الفاشية دون ربطها بالأزمات البنيوية التي واجهتها أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. يرى باسمور أن الفاشية نبتت في تربة الأزمة الفكرية والسياسية التي أحدثتها الحداثة السريعة. لقد أدى التوسع الصناعي والتحضر إلى تآكل الروابط التقليدية، مما خلق شعوراً بالاغتراب لدى فئات واسعة، خاصة البرجوازية الصغيرة والفلاحين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين مطرقة الرأسمالية الكبيرة وسندان الحركات العمالية الصاعدة.   

جاءت الحرب العالمية الأولى لتكون المحفز الأكبر؛ فهي لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت تجربة مروعة أدت إلى "عسكرة السياسة". عاد الملايين من الجنود إلى بلادهم مشبعين بروح القتال والتراتبية، وناقمين على الأنظمة البرلمانية التي رأوا فيها عجزاً وضعفاً. في هذا السياق، قدمت الفاشية نفسها كـ "بعث" (Palingenesis) للأمة من تحت الرماد، واعدةً بنظام يجمع بين الحداثة التقنية والروحانية القومية القديمة.   


التجارب الكبرى: إيطاليا وألمانيا ونماذج الوصول للسلطة


يركز باسمور على أن نجاح الفاشية في إيطاليا وألمانيا لم يكن قدراً محتوماً، بل كان نتيجة لتلاقي ظروف استثنائية مع ذكاء سياسي براغماتي. في إيطاليا، نجح بينيتو موسوليني في استغلال حالة الفوضى الاجتماعية والسياسية بعد الحرب، مقدماً "القمصان السوداء" كقوة وحيدة قادرة على كبح جماح التهديد البلشفي. أما في ألمانيا، فقد كانت جمهورية فايمار تعاني من طعنة "معاهدة فرساي" والانهيار الاقتصادي، مما مهد الطريق لهتلر لتقديم النازية كخلاص عرقي وقومي شامل ويشير باسمور إلى أن الحركتين، رغم اختلافاتهما، اشتركتا في استخدام "الدين السياسي"؛ حيث تم استبدال الطقوس الدينية التقليدية بتظاهرات حزبية ضخمة وعبادة للقائد، مما خلق شعوراً بالوحدة المقدسة يتجاوز المصالح الفردية.

الفاشية كظاهرة عالمية: الحركات الفاشلة والانتشار العابر للحدود


لم تقتصر الفاشية على إيطاليا وألمانيا، بل كانت حركة عابرة للحدود ألهمت مجموعات في مختلف أنحاء العالم. يتتبع باسمور نماذج مثل "حرس الحديد" في رومانيا، التي تميزت بصيغة صوفية دينية متطرفة، وحركات في المجر والبرازيل وحتى بريطانيا والولايات المتحدة. يطرح باسمور تساؤلاً جوهرياً: لماذا فشلت هذه الحركات في الوصول للسلطة بينما نجحت في إيطاليا وألمانيا؟

تكمن الإجابة في مدى قوة المؤسسات التقليدية (الجيش، الكنيسة، القضاء) في تلك الدول، ومدى قدرة تلك المؤسسات على استيعاب الغضب الجماهيري دون الحاجة لتسليم السلطة للفاشيين. في رومانيا، على سبيل المثال، كانت الحركة قوية في الشارع ولكنها افتقرت إلى الدعم من النخب القديمة التي رأت فيها تهديداً لمصالحها، مما أدى في النهاية إلى صدام دموي انتهى بتصفية الحركة. هذا يوضح أن الفاشية تحتاج إلى "تحالف هجين" مع النخب التقليدية للوصول إلى سدة الحكم.

الفاشية والنوع الاجتماعي: الذكورية العسكرية ورفض النسوية


يخصص باسمور مساحة هامة لدور الجندر في الأيديولوجية الفاشية. الفاشية هي حركة "ذكورية بامتياز"، تقدس القوة الحربية والروح القتالية. هي ترى في النسوية عدواً لدوداً لأنها تعطي الأولوية للانتماء الجندري على الانتماء القومي، ولأنها تهدد الوظيفة البيولوجية للمرأة كأم للمحاربين.

ومع ذلك، لم تكن السياسة الفاشية تجاه النساء مجرد قمع؛ بل سعت لتعبئتهن ضمن أطر الحزب لخدمة الدولة. في إيطاليا وألمانيا، تم تشجيع النساء على المشاركة في الحياة العامة، ولكن فقط في المجالات التي تعزز قوة الأمة وتماسك الأسرة. هذا التناقض يظهر مرة أخرى قدرة الفاشية على "تأميم" المطالب الاجتماعية وتحويلها لخدمة أهدافها القومية.

انبعاث اليمين المتطرف المعاصر: هل نشهد عودة للفاشية؟


في الطبعات الأحدث من دراسته، يتناول باسمور بعمق صعود اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة منذ عام 2002. يطرح باسمور سؤالاً محورياً: هل حركات مثل حزب "التجمع الوطني" في فرنسا أو الحركات الشعبوية القومية هي نسخ جديدة من الفاشية؟

يشير باسمور إلى وجود تشابهات مقلقة، مثل التركيز على "نقاء" الثقافة الوطنية، ومعاداة المهاجرين، والشكوك العميقة تجاه المؤسسات الدولية والديمقراطية البرلمانية. ومع ذلك، هناك فروق جوهرية؛ فاليمين المتطرف المعاصر يعمل غالباً من داخل النظام الديمقراطي ولا يسعى (حتى الآن) لإنشاء دولة شمولية عسكرية بالمعنى الكلاسيكي ويرى باسمور أن الخطر الحقيقي اليوم ليس في تكرار حرفي لتجربة هتلر أو موسوليني، بل في تآكل القيم الديمقراطية من الداخل وتبني سياسات إقصائية تحت مسميات "حماية الهوية" أو "السيادة الوطنية".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سامبوك

هدفنا هو توفير كتب مجانيه للقراء




تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *