*كتاب الفاشية*
تمثل الفاشية واحدة من أكثر الظواهر السياسية تعقيداً في العصر الحديث، ليس فقط بسبب الدمار الذي خلفته في القرن العشرين، بل لقدرتها الفائقة على التلون والهروب من الأطر التعريفية الجامدة. في دراسته المعمقة "الفاشية: مقدمة قصيرة جداً"، يسعى المؤرخ كيفن باسمور إلى تفكيك هذه الظاهرة من خلال مجهر تحليلي يربط بين الأبعاد الأيديولوجية المتناقضة والواقع التاريخي الملموس. إن الفاشية، كما يطرحها باسمور، ليست مجرد نزوة استبدادية عابرة، بل هي منظومة متكاملة من الممارسات والأفكار التي سعت لإعادة صياغة الأمة على أسس حيوية وثقافية إقصائية، واضعةً الهوية القومية فوق كل اعتبار آخر من طبقة أو جندر أو دين.
إشكالية التعريف: التناقض كجوهر بنيوي للفكر الفاشي
يواجه الباحثون في العلوم السياسية معضلة كبرى عند محاولة وضع تعريف جامع مانع للفاشية؛ فهي أيديولوجية تفتخر بتناقضاتها. يشير باسمور إلى أن الفاشية تظهر كحركة ثورية ورجعية في آن واحد، وهي مفارقة تشكل جوهر قوتها وجاذبيتها. فهي ثورية لأنها ترفض النظام الليبرالي القائم وتسعى للإطاحة بالنخب القديمة واستبدالها بنخبة جديدة تدعي تمثيل إرادة "الشعب" الأصيل، وهي رجعية لأنها معادية بعمق للحركات التقدمية مثل الاشتراكية والنسوية، وتدعو للعودة إلى قيم تقليدية مفترضة.
تتجلى هذه التناقضات في الطريقة التي تخاطب بها الفاشية جماهيرها؛ فهي تدعو للعودة إلى الأرض والتقاليد الزراعية، بينما تظهر افتتاناً مرضياً بالتكنولوجيا الحديثة والآلة الحربية. إنها تدافع عن الملكية الخاصة ولكنها مستعدة لتأميمها أو إخضاعها بالكامل لمصلحة "الأمة". هذا التذبذب ليس خللاً في المنظومة، بل هو أداة براغماتية سمحت للفاشية بجذب أطياف اجتماعية متنافرة، من المحاربين القدامى الناقمين إلى المثقفين الحالمين بنظام جديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق