السبت، 24 يناير 2026

اشكالية ادارة السيولة

*كتاب اشكالية ادارة السيولة في المصارف الاسلامية*

تعد قضية إدارة السيولة في المؤسسات المالية الإسلامية أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الصناعة المالية المعاصرة، حيث تتداخل فيها الأبعاد الفقهية مع المتطلبات التقنية للملاءة المالية. إن السيولة، بوصفها شريان الحياة لأي مؤسسة مصرفية، لا تقتصر وظيفتها على الوفاء بالالتزامات الآنية فحسب، بل تمتد لتشكل حجر الزاوية في بناء الثقة والمصداقية التي تضمن استدامة المصرف في بيئة تنافسية متقلبة. يعالج البحث الذي قدمه زين الدين بن عامر ومعاندي أمينة هذه الإشكالية عبر تفكيك المرتكزات الأساسية للسيولة في المصارف الإسلامية، ومقارنتها بالنموذج التقليدي، مع التركيز على الكيفية التي يمكن بها للمستويات غير المثلى من السيولة أن تفرز مخاطر جسيمة تؤثر على ربحية المصرف ووجوده.

الأطر المفاهيمية للسيولة في السياق المصرفي الإسلامي


تتجاوز السيولة في الفكر المصرفي المعنى الضيق للنقد المتوفر في الصندوق؛ فهي تعبر عن قدرة المؤسسة على تحويل الأصول إلى نقد سائل بسرعة فائقة وبأقل قدر من الخسائر في القيمة، وذلك لمواجهة أي تدفقات نقدية خارجة مفاجئة أو مجدولة. في المصارف الإسلامية، يكتسب هذا المفهوم صبغة شرعية تلزم المصرف بالوفاء بالتزاماته تجاه المودعين (أصحاب الحسابات الجارية والاستثمارية) دون اللجوء إلى أدوات تمويلية محرمة كالفوائد الربوية.

الأبعاد الثلاثة للسيولة المصرفية - يمكن تحليل السيولة من خلال ثلاثة مستويات أساسية حددتها الدراسة كمدخل لفهم الواقع التشغيلي للمصارف الإسلامية:

1-السيولة النقدية المطلقة: وهي الأرصدة النقدية المتاحة فوراً في خزائن المصرف ولدى البنك المركزي، وتعد خط الدفاع الأول لمواجهة المسحوبات. 

2- السيولة كقابلية للتحول: وهي مدى سرعة تحويل الأصول المالية (كالصكوك أو المرابحات قصيرة الأجل) إلى نقد دون فقدان جوهري في قيمتها الاسمية.

3- السيولة كقدرة على الاقتراض: وهي قدرة المصرف على الوصول إلى موارد مالية خارجية عند الحاجة، وهو ما يمثل تحدياً جوهرياً للمصارف الإسلامية نظراً لمحدودية سوق "ما بين البنوك" الإسلامية مقارنة بالتقليدية.

حيث تكمن أهمية هذه المستويات في قدرتها على إكساب المصرف سمعة طيبة لدى جميع الأطراف، من عملاء ومستثمرين وجهات رقابية. إن العجز عن سداد الالتزامات في مواعيدها لا يؤدي فقط إلى أزمة مالية، بل إلى انهيار في "مخزون الثقة"، وهو أصل غير ملموس يصعب استعادته بمجرد فقدانه.

طبيعة الوساطة المالية الإسلامية والسيولة : حيث تعمل المصارف الإسلامية وفق مبدأ الوساطة المالية القائم على المشاركة في الربح والخسارة، أو من خلال إطار الوكالة بالاستثمار. هذا التوصيف القانوني والشرعي يغير جذرياً من طبيعة المطالبات المالية؛ فبينما يمثل المودع في البنك التقليدي "دائناً" يطلب أصله مع فائدة، يمثل المودع في المصرف الإسلامي "شريكاً" في النتائج النهائية للاستثمار (في حسابات الاستثمار) أو "مقرضاً حسناً" (في الحسابات الجارية). هذا التباين يفرض على إدارة السيولة موازنة دقيقة بين حقوق المودعين الذين يتوقعون عوائد تنافسية، وبين ضرورة الاحتفاظ بنسب أمان كافية.

تحليل مخاطر السيولة في المصارف الإسلامية


حيث تنشأ مخاطر السيولة من عدم التوافق بين آجال استحقاق الأصول (التمويلات) وآجال استحقاق الالتزامات (الودائع). يركز بن عامر وأمينة على أن عدم الاحتفاظ بالمستوى الأمثل من السيولة يؤدي إلى نوعين من المخاطر المتناقضة :

1- مخاطر نقص السيولة: وتحدث عندما يعجز المصرف عن تلبية طلبات السحب أو تمويل الفرص الاستثمارية الجيدة. قد يضطر المصرف في هذه الحالة إلى تسييل أصوله بأسعار بخسة، أو اللجوء إلى تمويلات خارجية باهظة التكلفة، مما يؤدي في النهاية إلى الإعسار.

2- مخاطر فائض السيولة: وتحدث عندما يحتفظ المصرف بمبالغ نقدية ضخمة دون استثمار. هذا الفائض يمثل "تكلفة فرصة بديلة" ضائعة، حيث لا تدر هذه الأموال أي عوائد للمودعين أو المساهمين، مما يقلل من تنافسية المصرف ويؤدي إلى هجرة الودائع بحثاً عن عوائد أعلى.

الأدوات المالية الإسلامية الحديثة لإدارة السيولة


- الصكوك الإسلامية كأداة سيولة سيادية ومؤسسية: تعتبر الصكوك الأداة الأبرز والأكثر ابتكاراً في هذا المجال. حيث توصلت الدراسة إلى أن هناك عدداً من الصكوك المطورة (خاصة في التجربة الماليزية) التي تقوم على عقود التمويل الإسلامي، وتعمل كأداة لإدارة السيولة عبر توفير أصول عالية الجودة وقابلة للتداول.

- عمليات المرابحة في السلع (Commodity Murabaha) : حيث تستخدم هذه الأداة بشكل واسع في إدارة السيولة قصيرة الأجل بين المصارف الإسلامية (Interbank). من خلال شراء سلع من السوق الدولية (مثل بورصة لندن للمواد الأساسية) وبيعها بالآجل، يمكن للمصارف تبادل الفوائض والعجوزات النقدية. وعلى الرغم من بعض التحفظات الفقهية، إلا أنها تظل الأداة الأكثر استخداماً نظراً لسهولتها وسرعة تنفيذها.

- صناديق الاستثمار الإسلامية : حيث تلعب صناديق الاستثمار دوراً حيوياً كمجمع للسيولة، حيث تتيح للمصارف استثمار فوائضها النقدية في محافظ متنوعة من الأصول والأسهم المتوافقة مع الشريعة، مما يوفر عائداً معقولاً مع إمكانية استرداد الأموال في فترات قصيرة.

أثر التوجهات النقدية العالمية والمركزية


حيث لا تعمل المصارف الإسلامية في معزل عن المنظومة النقدية الدولية. إن القواعد الصادرة عن لجنة "بازل" (خاصة بازل 3) فرضت متطلبات صارمة بشأن السيولة (LCR & NSFR). بالنسبة للمصارف الإسلامية، فإن الامتثال لهذه المعايير يمثل تحدياً إضافياً؛ لأن الأصول السائلة عالية الجودة (HQLA) المطلوبة دولياً هي في الغالب سندات حكومية ربوية.

تضطر المصارف الإسلامية في هذه الحالة إلى الاحتفاظ بمبالغ نقدية ضخمة أو البحث عن صكوك سيادية إسلامية (وهي نادرة في كثير من الدول)، مما يضعها في موقف تنافسي أضعف. تبرز هنا مسؤولية البنوك المركزية في تطوير "أدوات نقدية متوافقة" تتيح للمصارف الإسلامية الامتثال للمعايير الدولية دون التضحية بربحيتها أو مبادئها الشرعية.

خاتمه الملخص

إن إدارة السيولة في المصارف الإسلامية هي رحلة مستمرة للموازنة بين "الأمان" و"النماء". ومع تطور التكنولوجيا المالية (FinTech)، قد تظهر حلول جديدة تعتمد على تسييل الأصول عبر العقود الذكية والترميز (Tokenization)، مما قد يقلل مستقبلاً من حدة هذه الإشكالية التاريخية. في الختام، تظل السيولة هي الاختبار الحقيقي لكفاءة المصرف الإسلامي؛ فإذا كانت الربحية تعبر عن نجاح الاستثمارات، فإن السيولة تعبر عن قدرة المصرف على البقاء والاستمرار والوفاء بالعهود المالية التي قطعها لعملائه. إن فهم "إشكالية السيولة" ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو ضرورة وجودية للصناعة المالية الإسلامية في سعيها لتقديم بديل عالمي مستقر وعادل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سامبوك

هدفنا هو توفير كتب مجانيه للقراء




تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *