*كتاب النظرية العامة للتوظيف والفائده والنقود*
تمثل "النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود" الصادرة في فبراير عام 1936، لحظة فارقة في تاريخ الفكر البشري، حيث تُصنف كواحدة من أكثر الكتب تأثيراً في القرن العشرين، ليس فقط في حقل الاقتصاد، بل في تشكيل السياسات العامة للدول الحديثة. لم تكن هذه النظرية مجرد استجابة تقنية لأزمة الكساد الكبير التي عصفت بالعالم في الثلاثينيات، بل كانت بمثابة "انفجار عظيم" أعاد صياغة المنطق الذي تُدار به الثروات والأمم، مقوضاً أركان المدرسة الكلاسيكية التي سادت لقرون. لقد استطاع جون مينارد كينز، عبر هذا العمل، أن يثبت أن الاقتصاد الرأسمالي لا يمتلك آلية تصحيح ذاتي تضمن التوظيف الكامل دائماً، وأن حالة "التوازن عند مستوى أقل من التوظيف الكامل" هي احتمال وارد بل ومزمن ما لم يتوفر طلب فعال يحرك عجلة الإنتاج. يغوص هذا التقرير في أعماق هذا المؤلف التاريخي، محللاً جذوره الفلسفية، ومفاهيمه التقنية، وتأثيراته النفسية والمادية التي لا تزال تشكل بوصلة لصناع القرار في الأزمات العالمية حتى اليوم.
الجذور التاريخية والفلسفية للنظرية العامة
لا يمكن فهم عبقرية كينز في "النظرية العامة" بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي عاش فيه. ولد كينز في كامبريدج عام 1883، وتلقى تعليماً متميزاً في الرياضيات والفلسفة، وهو ما منحه أدوات تحليلية تتجاوز النماذج الاقتصادية التقليدية. تأثر كينز بشكل عميق بوالده جون نيفيل كينز، المحاضر في الاقتصاد، وبمعلمه ألفريد مارشال، الأب الروحي للاقتصاد الكلاسيكي المحدث، لكنه سرعان ما بدأ في التمرد على هذه الأسس عندما اصطدمت بالواقع المرير للبطالة المزمنة في بريطانيا بين الحربين.
تأثير مجموعة بلومزبري والبعد الإنساني : كان كينز عضواً بارزاً في مجموعة "بلومزبري" الفكرية، التي ضمت نخبة من الأدباء والفنانين مثل فيرجينيا وولف ولتون ستراشي. هذا الانتماء الفكري صبغ رؤيته الاقتصادية بصبغة إنسانية وفلسفية؛ فقد رفض فكرة "الإنسان الاقتصادي" العقلاني تماماً الذي يسعى لتعظيم المنفعة بطريقة آلية، وركز بدلاً من ذلك على تعقيدات السلوك البشري، والجمال، والحالة النفسية للمجتمع. كان يرى أن الهدف من الاقتصاد ليس مجرد تراكم الثروة، بل خلق بيئة تسمح للبشر بالاستمتاع بـ "الحياة الطيبة" والفنون. هذا البعد الفلسفي هو ما دفعه لاحقاً لتحليل "الأرواح الحيوانية" وتوقعات المستثمرين كقوى خفية تحرك الأسواق.
الفشل الكلاسيكي والكساد الكبير : قبل صدور "النظرية العامة"، كان الاقتصاد الكلاسيكي يستند إلى "قانون ساي" للأسواق، والذي تلخصه العبارة الشهيرة "العرض يخلق طلبه الخاص". وفقاً لهذا المنطق، فإن أي ادخار يقوم به الأفراد سيجد طريقه بالضرورة إلى الاستثمار من خلال تقلبات أسعار الفائدة، مما يضمن بقاء الاقتصاد دائماً عند مستوى التوظيف الكامل. ومع ذلك، جاء الكساد الكبير عام 1929 ليحطم هذه الأوهام؛ حيث استمرت البطالة في الارتفاع لسنوات دون أي بوادر للتصحيح التلقائي. أدرك كينز أن المشكلة تكمن في جانب الطلب، وليس العرض، وأن النظام قد يقع في "فخ" من الركود بسبب نقص القوة الشرائية وتصاعد حالة عدم اليقين.
نقض المسلمات الكلاسيكية: معركة الأجور والتوظيف
بدأ كينز كتابه بمهاجمة ما سماه "المسلمتين الكلاسيكيتين" للتوظيف. المسلمة الأولى تنص على أن الأجر يساوي الإنتاجية الحدية للعمل، وهي نقطة وافق عليها كينز جزئياً لكنه أضاف لها أبعاداً نقدية. أما المسلمة الثانية، التي تنص على أن الأجر يساوي المشقة الحدية للعمل، فقد رفضها كينز بشدة، مجادلاً بأن العمال لا يملكون القدرة على تحديد أجورهم الحقيقية عبر المفاوضات الجماعية، بل يتفاوضون على الأجور النقدية.
جمود الأجور والبطالة الإجبارية: أوضح كينز أن الأجور النقدية تتسم بالجمود نحو الأسفل نتيجة العقود النقابية والتشريعات والاعتبارات الاجتماعية. وفي حين جادل الكلاسيكيون بأن خفض الأجور هو الحل للبطالة، أثبت كينز أن خفض الأجور على مستوى الاقتصاد ككل سيؤدي إلى تراجع الدخل الكلي، ومن ثم تراجع الطلب على السلع، مما يدفع الشركات لتسريح المزيد من العمال في حلقة مفرغة. من هنا استحدث كينز مفهوم "البطالة الإجبارية"، وهي الحالة التي يوجد فيها عمال راغبون في العمل بالأجر السائد لكنهم لا يجدون فرصاً بسبب نقص الطلب الفعال في الاقتصاد.
مبدأ الطلب الفعال: حيث يعد "الطلب الفعال" المفهوم المحوري الذي تدور حوله النظرية العامة. يعرف كينز الطلب الفعال بأنه القيمة التي تتساوي عندها دالة العرض الكلي (التكاليف التي يجب تغطيتها) مع دالة الطلب الكلي (العائدات المتوقعة). في هذا النموذج، التوظيف هو "متغير تابع" لحجم الطلب المتوقع؛ فإذا توقع أصحاب الأعمال طلباً ضعيفاً، فإنهم سيقلصون التوظيف حتى لو كانت الأجور منخفضة.
إرث كينز وصمود النظرية أمام الهزات العالمية
لم تكن "النظرية العامة" مجرد كتاب أكاديمي، بل كانت "دليل تشغيل" للعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. بفضل أفكار كينز، شهدت الدول الغربية "العصر الذهبي للرأسمالية" (1945-1973) مع معدلات نمو مرتفعة وبطالة منخفضة.
كينز والمؤسسات الدولية : لعب كينز دوراً محورياً في مؤتمر "بريتون وودز" عام 1944، حيث ساهم في تأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. كان هدفه خلق نظام مالي عالمي يمنع تكرار فوضى الثلاثينيات ويسمح للدول بممارسة سياسات مالية وطنية لتحقيق التوظيف الكامل دون الخوف من انهيار العملة.
الكينزية في القرن الحادي والعشرين : على الرغم من تعرض الكينزية لهجمات من "المدرسة النقودية" و"اقتصاديات جانب العرض" في الثمانينيات، إلا أنها تظل الملاذ الأول عند وقوع أي أزمة حقيقية. خلال الأزمة المالية لعام 2008 وجائحة كوفيد-19 عام 2020، تخلت جميع الحكومات عن مبادئ "السوق الحر" وعادت لتبني حزم التحفيز المالي الكينزية الضخمة لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار. هذا يثبت أن رؤية كينز حول "الطلب الفعال" و"فخ السيولة" و"الأرواح الحيوانية" ليست مجرد نظريات تاريخية، بل هي أدوات حية لفهم واقعنا المعقد
خاتمه الملخص
إن كتاب "النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود" يتجاوز كونه دراسة تقنية ليصبح ملحمة فكرية تشرح لغز النظام الرأسمالي المعاصر. لقد منحنا كينز رؤية ثاقبة تتجاوز الأرقام لتصل إلى جوهر المحركات النفسية والمادية التي تصنع التاريخ المالي للعالم. من خلال تحليل سراديب الفائدة وديناميكيات التوظيف، كسر كينز قيود الفكر القديم وفتح الباب لعصر جديد من الفهم الاقتصادي حيث تصبح الدولة شريكاً في الاستقرار وصمام أمان ضد تقلبات النفس البشرية.
تظل أطروحات كينز حجر الزاوية الذي لا غنى عنه لأي باحث يسعى لفك شفرات هذا النظام المعقد. وكما قال كينز في ختام كتابه: "إن أفكار الاقتصاديين والفلاسفة السياسيين، سواء كانوا على حق أو على خطأ، هي أقوى مما يُعتقد عادة.. فالعالم لا يحكمه تقريباً سوى هؤلاء". ويبقى كينز، بأفكاره الجريئة وروح مجموعة بلومزبري التي تسكن كلماته، هو "الأب الروحي" الذي علمنا أن الاقتصاد ليس قدراً محتوماً، بل هو أداة يمكن توجيهها لخدمة البشرية وتحقيق كرامتها في الأجل القصير قبل أن نكون جميعاً موتى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق