الجمعة، 23 يناير 2026

إدارة المنزل

*كتاب إدارة المنزل*

شهد المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، وتحديداً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تحولات بنيوية عميقة طالت النواة الأساسية للمجتمع: الأسرة. لم يكن المنزل في تلك الحقبة مجرد حيز للسكن، بل تحول إلى مؤسسة اجتماعية واقتصادية دقيقة تعكس حالة "التحديث" التي كانت الدولة تسعى لترسيخها. في هذا السياق، برزت الحاجة الملحة لنقل المعارف المنزلية من الحيز الشفهي التقليدي—الذي تتوارثه الفتيات عن أمهاتهن وجداتهن بالمحاكاة—إلى حيز "العلم المقنن" والمكتوب. لم تعد "البركة" وحدها تكفي لإدارة ميزانية الأسرة في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي ما بعد الحرب، ولم تعد أساليب التنظيف البدائية تتماشى مع دخول الأثاث الحديث والأجهزة الكهربائية وتغير المفاهيم الصحية حول الجراثيم والوقاية من الأمراض.

لقد كان كتاب "إدارة المنزل: النظري والعملي" (1948) استجابة مباشرة لهذه التحولات. لم يكتب هذا العمل في فراغ، بل كان جزءاً من مشروع قومي قادته وزارة المعارف العمومية (وزارة التربية والتعليم حالياً) تحت مسمى "الثقافة النسوية" (Feminine Culture)، التي تطورت لاحقاً لتصبح "الاقتصاد المنزلي" (Home Economics) أو "التدبير المنزلي". كانت الدولة تدرك أن بناء "الأمة الحديثة" يبدأ من "المنزل الحديث"، وأن المرأة المتعلمة القادرة على إدارة موارد بيتها بكفاءة هي الشريك الأساسي في التنمية الاقتصادية.

السيرة المهنية والأكاديمية للمؤلفتين


لفهم العمق المعرفي لكتاب "إدارة المنزل"، يجب تشريح التكوين الأكاديمي للمؤلفتين، والذي جمع بين الصرامة الأكاديمية الإنجليزية والمرونة الثقافية المصرية.

نظيرة نقولا (أبلة نظيرة): من قاعات "جلوستر" إلى الإذاعة المصرية

تعد نظيرة نقولا (1902-1992) الشخصية الأبرز في تاريخ الثقافة المنزلية المصرية. تخرجت من كلية "جلوستر" (Gloucester) في إنجلترا، وهي مؤسسة عريقة تخصصت في تعليم الاقتصاد المنزلي وفنون الإبرة (Needlework). هذا التعليم النظامي هو الذي أكسبها المنهجية العلمية التي ظهرت لاحقاً في كتبها؛ فهي لم تكن تكتب وصفات أو نصائح عشوائية، بل كانت تقدم "نظريات" مدعومة بالتطبيق.

بعد عودتها، عملت مدرسة في مدرسة "السنية" للبنات، التي كانت بمثابة "جامعة" لتخريج معلمات المستقبل. تدرجت في المناصب حتى أصبحت المفتشة العامة للثقافة النسوية بوزارة المعارف. إلا أن شهرتها الحقيقية تجاوزت جدران المدارس عندما انتقلت إلى الإذاعة، لتقدم فقرات ثابتة تخاطب فيها ربات البيوت بأسلوب سهل ممتنع، مما جعل لقب "أبلة" (المعلمة/الأخت الكبرى) يلتصق باسمها للأبد. كانت فلسفتها تقوم على أن الطهي والتنظيف ليسا أعمالاً خدمية، بل "فنون" و"علم" يتطلب الذكاء والدقة.

بهية عثمان: الشريكة الاستراتيجية والعقل التنظيمي

على الرغم من أن التاريخ الشعبي قد ظلم بهية عثمان لصالح طغيان شهرة شريكتها، إلا أن الوثائق التاريخية وبطاقات الفهرسة في المكتبات الوطنية تؤكد أنها كانت "مؤلفاً مشاركاً" (Co-author) بوزارة المعارف، وليست مجرد مساعدة. تخرجت بهية من كلية "بريدج هاوس" (Bridge House College) في إنجلترا، وتخصصت في فنون الطهي والأعمال اليدوية. كانت تشغل منصب "المفتشة العامة" بوزارة المعارف بالتوازي مع نظيرة نقولا، مما يعني أنهما كانتا في نفس الدرجة الوظيفية والعلمية.

ساهمت بهية عثمان بشكل كبير في الجانب "النظري" من الكتب المشتركة، حيث كانت تمتلك قلماً رصيناً ظهر جلياً في مقالاتها بمجلة "حواء". كانت تميل إلى التأصيل العلمي والتربوي، ويرجح الباحثون أن الفصول المتعلقة بتربية الطفل وتنظيم الميزانية في كتاب "إدارة المنزل" كانت تحمل بصمتها الواضحة، نظراً لاهتمامها بالجوانب الاجتماعية للأسرة.

ديناميكية الشراكة والتكامل

لم يكن التعاون بين نظيرة وبهية مجرد اشتراك في الاسم على الغلاف، بل كان نموذجاً للتكامل المهني. في حين كانت نظيرة تمتلك الكاريزما الإعلامية والقدرة على التواصل الجماهيري، كانت بهية تمثل الدقة الإدارية والعمق التربوي. كتاب "إدارة المنزل" هو نتاج هذا المزيج: لغة سهلة قريبة من الناس (نظيرة)، وهيكل منهجي منظم (بهية). كانتا تشتركان في الرؤية القائلة بأن "التدبير المنزلي" هو علم يدرس، وليس مجرد مهارة فطرية، وأنه السبيل الوحيد لرفع مستوى المعيشة للأسرة المصرية المتوسطة.

التحليل الوصفي للكتاب


عند الانتقال إلى تحليل كتاب "إدارة المنزل" ككيان مادي ومعرفي، نجد أننا أمام وثيقة تعكس بدقة طبيعة النشر العلمي والتربوي في منتصف القرن العشرين. تشير البيانات الوثائقية المتاحة من دار الكتب والوثائق القومية ومكتبة قطر الوطنية إلى أن الكتاب يحمل رقم التصنيف العشري (305.43 - ن ن إ) ، وهو تصنيف يضعه ضمن دائرة علم الاجتماع، وتحديداً في خانة "المرأة في الحياة العامة والعمل"، مما يؤكد أن المكتبات تصنف هذا العمل كجزء من الدراسات الاجتماعية للمرأة وليس مجرد كتاب ترفيهي أو خدمي. صدر الكتاب عن "مكتبة النهضة المصرية" بالقاهرة ، وهي واحدة من أعرق دور النشر التي ارتبط اسمها بحركة التنوير ونشر الكتب العلمية والأدبية الرصينة.

يقع الكتاب في 212 صفحة من القطع المتوسط (أبعاد 24 سم) ، وهو حجم مثالي لكتاب مدرسي أو مرجع منزلي يسهل تداوله والرجوع إليه. اللافت للنظر هو خلو السجلات الببليوجرافية من تاريخ نشر دقيق (مشار إليه بـ د.ت) ، ولكن السياق التاريخي للأحداث، وخاصة ذكر فوز كتابهما الآخر "أصول الطهي" في مسابقة وزارة المعارف في الأربعينيات ، يرجح أن يكون "إدارة المنزل" قد صدر في نفس الفترة الزمنية أو تلاها بقليل، أي في أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات. هذا التوقيت مهم جداً، حيث كانت مصر تمر بمرحلة انتقالية ما بين الملكية والجمهورية، وكان هناك حراك اجتماعي واسع وصعود للطبقة الوسطى التي كانت الجمهور المستهدف الأساسي لهذا الكتاب.

يتميز الكتاب باحتوائه على صور ورسوم توضيحية (مصور) ، وهي ميزة تعليمية متقدمة في ذلك الوقت. لم تكن هذه الصور مجرد زينة، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من المنهج التعليمي، حيث توضح بشكل عملي كيفية ترتيب الأثاث، أو طرق طي الملابس، أو استخدام أدوات المطبخ الحديثة. كان العنوان الفرعي للكتاب "النظري والعملي"  يعكس المنهجية التي اتبعتها المؤلفتان، حيث لم تكتفيا بتقديم النصائح النظرية المجردة، بل قرنتا كل مبدأ نظري بتطبيقات عملية واقعية يمكن لربة المنزل تنفيذها بإمكانياتها المتاحة. هذا الجمع بين النظرية والتطبيق هو ما منح الكتاب صفة الديمومة، وجعله صالحاً للتدريس في المعاهد المتخصصة.

في الخاتمه


في الختام، يمثل كتاب "إدارة المنزل" لنظيرة نقولا وبهية عثمان نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل الخبرة اليومية إلى علم، وكيفية تطويع النظريات العالمية لخدمة الواقع المحلي. إنه كتاب سبق عصره في طرح قضايا الاستدامة، وإدارة الموارد، والصحة الوقائية، وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً من داخل منزلها. اليوم، وفي ظل التحديات الاقتصادية والبيئية التي يواجهها العالم، تعود الكثير من المبادئ التي نادى بها الكتاب لتتصدر المشهد من جديد: العودة إلى الطبيعة، وترشيد الاستهلاك، والطهي المنزلي الصحي، وإعادة التدوير

إن إعادة قراءة هذا الكتاب وتراث صاحبته ليست مجرد حنين للماضي (Nostalgia)، بل هي دعوة لاستلهام قيم الجدية والإتقان والعلم في إدارة حياتنا اليومية. لقد أثبتت نظيرة نقولا وبهية عثمان أن بناء الأوطان يبدأ من بناء البيوت المستقرة والمنظمة، وأن "إدارة المنزل" هي فن صناعة الحياة نفسها. وسيظل اسميهما محفورين بحروف من نور في تاريخ الحركة النسوية والتنويرية في مصر، كرموز للعطاء الصامت والمؤثر الذي يمتد أثره عبر الأجيال، شاهداً على عصر كانت فيه "ست البيت" مديرة ناجحة، وكان الكتاب هو مرشدها الأمين في رحلة الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سامبوك

هدفنا هو توفير كتب مجانيه للقراء




تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *