*كتاب تاريخ فلسطين الاقتصادي*
إن الخوض في غمار التاريخ الاقتصادي لفلسطين إبان فترة الانتداب البريطاني (1920-1948) يتطلب تجاوز السرديات التقليدية التي طالما هيمنت على الأدبيات الأكاديمية الغربية، والتي غالباً ما صوّرت التطور الاقتصادي في تلك الحقبة كعملية تحديث قادها الاستيطان اليهودي وعادت بالنفع "بالتبعية" على السكان العرب الأصليين. إن هذه النظرة التبسيطية، التي تروج لنظرية "الانتشار" (Trickle-down effect)، تتجاهل بشكل صارخ الديناميات الاستعمارية المعقدة والتدخلات الهيكلية التي قامت بها حكومة الانتداب لخدمة طرف على حساب آخر. إن التقرير الحالي يسعى لتقديم قراءة تحليلية شاملة وموسعة، مستنداً إلى أحدث الأبحاث والوثائق التاريخية، لتفكيك الآليات التي حولت الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد زراعي تقليدي -ولكنه حيوي- إلى اقتصاد ثنائي منفصل، حيث تم تهيئة الظروف لازدهار قطاع يهودي حديث ومدعوم مؤسسياً، في مقابل تهميش منهجي للقطاع العربي ودفعه نحو التبعية أو التلاشي.
لقد شكل "كتاب تاريخ فلسطين الاقتصادي" موضوعاً جدلياً بين مدرستين رئيسيتين: مدرسة المؤرخين الاجتماعيين والسياسيين الذين ركزوا على الصراع القومي، ومدرسة المؤرخين الاقتصاديين الجدد، مثل جاكوب ميتزر، الذين حاولوا تطبيق أدوات التحليل الكمي على "اقتصاد مقسم". ومع ذلك، فإن المساهمات النقدية لباحثين مثل باربرا سميث وروجر أوين قدمت رؤية أكثر عمقاً، مشيرة إلى أن هذا "الانقسام" لم يكن قدراً محتوماً، بل كان نتيجة هندسة سياسية واعية. لقد وفر الانتداب البريطاني، عبر التزامه بصك الانتداب ووعد بلفور، المظلة القانونية والتشريعية التي سمحت للمؤسسات الصهيونية بالعمل كـ "دولة داخل الدولة" قبل عام 1948 بعقود، مسيطرة على الموارد الاستراتيجية من كهرباء ومعادن وموانئ، ومستفيدة من نظام ضريبي وجمركي صُمم خصيصاً لحماية صناعاتها الناشئة.
الإطار القانوني والسياسي.. هندسة الانحياز
لم تكن السياسة الاقتصادية البريطانية في فلسطين وليدة الصدفة أو مجرد استجابة لظروف طارئة، بل كانت مؤطرة بنصوص قانونية دولية ومحلية، وعلى رأسها صك الانتداب نفسه. لقد تضمنت المادة الرابعة من صك الانتداب اعترافاً بـ "وكالة يهودية" كهيئة عامة تقدم المشورة وتتعاون مع الإدارة في المسائل الاقتصادية والاجتماعية، وهو امتياز لم يحظَ به العرب الفلسطينيون، مما خلق خللاً هيكلياً منذ اللحظة الأولى في ميزان القوى التفاوضي مع الحكومة.
خرافة "القدرة الاستيعابية الاقتصادية" كأداة ديموغرافية
برز مصطلح "القدرة الاستيعابية الاقتصادية" (Economic Absorptive Capacity) كأحد أكثر المفاهيم جدلاً وتأثيراً في تلك الحقبة. صاغه ونستون تشرشل في الكتاب الأبيض لعام 1922، وكان ظاهره تنظيماً تقنياً للهجرة يضمن عدم تجاوز عدد المهاجرين لقدرة البلاد على توفير العمل والموارد. ومع ذلك، تشير الوثائق والتحليلات التاريخية إلى أن هذا المفهوم كان مرناً ومطاطاً، حيث تم استخدامه كأداة سياسية لتعظيم الهجرة اليهودية بدلاً من تقييدها
لقد اعتمدت إدارة الانتداب في تقديراتها لهذه القدرة على التوقعات المتفائلة التي كانت تقدمها الوكالة اليهودية، والتي كانت تفترض أن استيراد رأس المال اليهودي سيخلق تلقائياً فرص عمل جديدة، وبالتالي يوسع القدرة الاستيعابية. هذا المنطق الدائري سمح بتبرير تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين، وخاصة "الرأسماليين" (الذين يملكون أكثر من 1000 جنيه فلسطيني)، دون النظر بجدية إلى الآثار السلبية على سوق العمل العربي أو الضغط على الموارد الطبيعية المحدودة. وفي الوقت الذي كانت فيه القرى العربية تئن تحت وطأة البطالة والديون، كانت التقارير الحكومية تركز على "نقص العمالة" في المستوطنات اليهودية لتبرير إصدار المزيد من شهادات الهجرة، متجاهلة حقيقة أن سياسة "العمل العبري" كانت تمنع العرب أصلاً من ملء هذا النقص.
علاوة على ذلك، تم توظيف هذا المفهوم لتمرير مشاريع تنموية كبرى تخدم الاستيطان. فالحجة كانت دائماً أن "زيادة الإنتاجية" و"تطوير الأرض" سيرفعان من القدرة الاستيعابية، مما يستلزم تسليم مساحات واسعة من "أراضي الدولة" أو منح امتيازات مائية للشركات القادرة على الاستثمار (أي الشركات الصهيونية)، وحرمان الفلاحين الفقراء منها بحجة عدم توفر رأس المال لديهم للتطوير.
سوق العمل وسياسة "الفصل العنصري" المؤسسي
لم تكن الهيمنة الاقتصادية لتكتمل دون السيطرة على العنصر البشري. هنا لعبت "الهستدروت" (الاتحاد العام للعمال اليهود) دوراً محورياً، ليس كنقابة عمالية فحسب، بل كجهاز دولة تنفيذي مارس العنف الاقتصادي.
"العمل العبري" والعنف المنظم
رفعت الهستدروت شعار "العمل العبري" (Hebrew Labor) كعقيدة مقدسة، تهدف إلى استبدال العمال العرب في جميع المشاريع الاقتصادية اليهودية بعمال يهود، حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة. نظمت الهستدروت فرقاً "للحراسة العمالية" قامت بنصب نقاط تفتيش (Picketing) أمام البيارات والمصانع ومواقع البناء لمنع العمال العرب من الدخول والعمل، ولتهديد أرباب العمل اليهود الذين يفضلون العمالة العربية الرخيصة.
هذه الممارسات لم تكن مجرد منافسة نقابية، بل كانت عملية تطهير عرقي لسوق العمل. وثقت التقارير حوادث عنف جسدي وتخريب للممتلكات ضد من يخالف هذه السياسة. اللافت للنظر هو موقف السلطات البريطانية؛ فبينما كانت تقمع أي إضراب عربي سياسي بشدة، كانت تتسامح مع "حراس" الهستدروت وتعتبر أنشطتهم "نزاعاً عمالياً" مشروعاً، بل إنها في العقود الحكومية للأشغال العامة (مثل بناء ميناء حيفا أو الطرق) كانت تخصص حصصاً للعمال اليهود بأجور أعلى من نظرائهم العرب، مكرسة بذلك فجوة الأجور والفصل العنصري.
إجهاض التضامن الطبقي
في المدن المختلطة مثل حيفا، ظهرت أحياناً بوادر لتضامن عمالي عربي-يهودي ضد استغلال أرباب العمل (كما في إضرابات عمال السكك الحديدية أو مصنع "نور" للكبريت ومصنع "نيشر"). إلا أن الهستدروت عملت بدأب على تخريب هذه التحالفات، مفضلة التحالف مع الرأسماليين الصهاينة لضمان "نقاء" العمل القومي على تحقيق مكاسب طبقية مشتركة. لقد أنشأت الهستدروت "اتحاد عمال فلسطين" كذراع تابع لاحتواء العمال العرب ومنعهم من الانضمام للحركة الوطنية الفلسطينية، مما حول العمل النقابي إلى أداة أخرى من أدوات السيطرة
الخاتمة: الاقتصاد كتمهيد للنكبة
إن استعراض الوقائع الاقتصادية لفترة الانتداب يقودنا إلى استنتاج لا لبس فيه: لقد قامت بريطانيا، عن سابق إصرار وتصميم، ببناء "الدولة اليهودية" اقتصادياً قبل أن تُعلن سياسياً. لم يكن الاقتصاد الإسرائيلي معجزة "خلق من العدم"، بل كان نتاج بيئة حاضنة وفرت له الأرض (عبر قوانين نزع الملكية)، والطاقة والموارد (عبر الامتيازات)، والحماية (عبر الجمارك)، واليد العاملة (عبر سياسات الهجرة والفصل).
في المقابل، تعرض الاقتصاد الفلسطيني لعملية "تفكيك تنموي" (De-development) ممنهجة. فقد الفلاح أرضه بسبب الضرائب، وفقد التاجر أسواقه بسبب الجمارك، وفقد العامل وظيفته بسبب سياسات الإقصاء. وحين اندلعت المواجهة الكبرى في عام 1947-1948، كان المجتمع الفلسطيني قد استنزف اقتصادياً وتفكك نسيجه الاجتماعي بفعل هذه السياسات، مما جعله في وضع هش للغاية أمام الآلة العسكرية والاقتصادية الصهيونية المنظمة. إن كتاب تاريخ فلسطين الاقتصادي في ظل الانتداب ليس مجرد سرد للأرقام، بل هو الشاهد الملك على أن جذور النكبة كانت مغروسة في كل قانون ضريبي، وكل رخصة مصنع، وكل عمود كهرباء زرعه الانتداب لخدمة مشروعه الاستعماري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق