الأحد، 25 يناير 2026

التلخيص في علم الفرائض

*ملخص شامل لكتاب التلخيص في علم الفرائض*

يعتبر علم الفرائض من أدق العلوم الشرعية وأكثرها هيبة في قلوب طلاب العلم، لما يقتضيه من جمع بين التأصيل الفقهي العميق والقدرة الحسابية الدقيقة، وهو العلم الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نصف العلم وأنه أول ما يرفع من الأرض. وفي رحاب المدرسة الحنبلية، برز كتاب "التلخيص في علم الفرائض" (ويعرف أيضاً بالتسهيل) للعلامة محمد بن علي بن أحمد البعلي الحنبلي كأحد أهم المتون التي استطاعت تقريب هذا العلم المعقد وتقديمه في قالب تعليمي ميسر، لاسيما مع العناية البالغة التي أولاها إياه المحقق الأستاذ الدكتور ناصر بن محمد الغامدي. إن هذه الدراسة تسعى لاستكشاف أبعاد هذا المصنف العلمي، وتحليل مضامينه الفقهية والحسابية، وتسليط الضوء على السياقات التاريخية والمنهجية التي جعلت منه مرجعاً معتمداً في الأوساط الأكاديمية والشرعية المعاصرة.

*السياق التاريخي والبيئة العلمية للمؤلف محمد بن علي البعلي*


لا يمكن فهم القيمة العلمية لكتاب "التلخيص" دون الغوص في سيرة مؤلفه والظروف التاريخية التي شكلت وعيه الفقهي. المؤلف هو الإمام الفقيه النحوي محمد بن علي بن أحمد بن عمر بن يعلى، شمس الدين أبو عبد الله البعلي الحنبلي، المعروف بابن أسباسلار. ولد هذا العالم في مدينة بعلبك بلبنان الحالية في شهر صفر سنة 714هـ، ونشأ في عصر كان يموج بالحراك العلمي والاضطرابات السياسية في الدولة المملوكية.

عاش البعلي في القرن الثامن الهجري، وهو القرن الذي شهد قمة نضج المدرسة الحنبلية المتأخرة، وتأثر بشكل مباشر بمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته، حيث تخصص في اختصار أمهات الكتب العلمية لتقريبها للمبتدئين. قضى البعلي شطراً كبيراً من حياته في دمشق وبعلبك، وتولى قضاء بعلبك سنة 789هـ، مما أكسبه خبرة عملية في تطبيق أحكام الفرائض وتقسيم التركات بين الناس. توفي رحمه الله في ربيع الأول سنة 778هـ (وقيل غير ذلك) بدمشق، مخلفاً وراءه ثروة علمية تمتاز بالدقة والاختصار.

تتجلى عبقرية البعلي في قدرته على "التلخيص"؛ حيث لم يكن مجرد ناقل للمسائل، بل كان مهندساً فقهياً يعيد صياغة القواعد المعقدة بأسلوب تعليمي رصين يتجنب الحشو ويركز على الضوابط والتعاريف. إن انتمائه للمدرسة الشامية الحنبلية جعله يلتزم بالمذهب في أصول التقسيم، مع حرص دائم على ربط الفروع بأدلتها من الكتاب والسنة.

*منهجية التحقيق العلمي للدكتور ناصر بن محمد الغامدي*


لقد قيض الله لهذا المتن في العصر الحديث عالماً متخصصاً في القضاء والسياسة الشرعية، وهو الأستاذ الدكتور ناصر بن محمد بن مشري الغامدي، الأستاذ بجامعة أم القرى. لم تكن عملية التحقيق مجرد ضبط للنص، بل كانت إعادة إحياء للمادة العلمية وتكييفها مع الاحتياجات التعليمية المعاصرة حيث يُعد الدكتور الغامدي صاحب خبرة طويلة في تدريس مادة الفرائض تتجاوز العشرين عاماً، وهو ما تجلى في كتابه الآخر "الخلاصة في علم الفرائض" الذي طبعته دار طيبة الخضراء، والذي يعتبر مكملاً لمشروعه في خدمة هذا العلم. لقد استطاع من خلال تحقيقه لكتاب البعلي أن يجمع بين أصالة المتن التاريخي ووضوح التنسيق الحديث، مما جعل الكتاب خياراً مثالياً للتأسيس القوي في هذا الفن.

*الأسس والمبادئ التمهيدية في علم الفرائض*


يبدأ كتاب "التلخيص" بتأسيس المفاهيم الكلية التي ينبني عليها العلم. فالفرائض في الاصطلاح هي "العلم بقسمة المواريث فقهاً وحساباً". وتبرز أهمية هذا العلم في إيصال نصيب كل وارث إليه دون جور أو محاباة، وحكمه الشرعي أنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

الحقوق المتعلقة بالتركة وترتيبها السيادي حيث يؤصل البعلي لقاعدة ذهبية في التعامل مع تركة الميت، وهي أن المال لا ينتقل للورثة إلا بعد تصفية أربعة حقوق سابقة، مرتبة كالتالي :

1- مؤن تجهيز الميت: وهي النفقة الضرورية من كفن وغسل وحفر قبر بالمعروف، وتقدم على كل شيء لأنها تتعلق بحرمة الميت.

2- الحقوق المتعلقة بعين التركة: كالدين الموثق برهن، فصاحب الرهن أحق بالعين من غيره.

3- الحقوق المرسلة في الذمة: وهي الديون التي ليس فيها رهن، سواء كانت لله تعالى كالزكاة والكفارات، أو للآدميين كالقروض.

4- الوصية الجائزة: وهي التي تكون لغير وارث وفي حدود الثلث فأقل، وتنفذ بعد الديون.

5- الإرث: وهو الحق الأخير الذي يوزع على الورثة حسب أنصبتهم الشرعية.

هذا الترتيب يعكس رؤية الشريعة في حفظ الحقوق؛ فحق الميت في التجهيز مقدم لضرورته، ثم حق الغرماء مقدم لأن الدين مبرئ للذمة، ثم الوصية لأنها تبرع، وأخيراً الإرث لأنه استحقاق بموجب الشرع.

*أركان الإرث وأسبابه وموانعه*


يقسم الكتاب أركان الإرث إلى ثلاثة: المورث (الميت حقيقة أو حكماً كالمفقود)، والوارث (الحي بعد موت المورث)، والحق الموروث (التركة). أما الأسباب التي تبيح انتقال المال فهي ثلاثة :

- النكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح، وبه يرث الزوج والزوجة من بعضهما بمجرد العقد.

- النسب: وهي القرابة الحقيقية التي تشمل الأصول (الآباء وإن علوا) والفروع (الأبناء وإن نزلوا) والحواشي (الإخوة والأعمام وبنوهم).

- الولاء: وهو عصوبة تثبت للمعتق وعصبته بسبب العتق.

وفي مقابل هذه الأسباب، توجد موانع تمنع الشخص من الإرث رغم وجود السبب، وقد لخصها العلماء في ثلاثة أمور :

1- الرق: لأن العبد لا يملك، فماله لسيده.

2- القتل: القتل العمد الذي يوجب القصاص أو الدية يمنع القاتل من إرث قتيله، سداً لذريعة التعجيل بالموت من أجل المال.

3- اختلاف الدين: فلا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، إلا في حالات نادرة كالولاء أو الإسلام قبل قسمة التركة عند بعض الفقهاء.

*خاتمه الملخص*


في الختام، يظهر كتاب "التلخيص في علم الفرائض" للعلامة محمد بن علي البعلي بتحقيق الدكتور ناصر الغامدي كنموذج رائع للتكامل بين براعة المتقدمين في التأصيل وعناية المتأخرين في التسهيل. لقد استطاع البعلي بعبقريته الفقهية أن يختصر علماً شاسعاً في رسالة موجزة، واستطاع الدكتور الغامدي بخبرته الأكاديمية أن يجعل هذا الاختصار متاحاً ومفهوماً للأجيال المعاصرة.

إن هذا الكتاب لا غنى عنه لكل قاضٍ يحكم بين الناس، ولكل فقيه يفتي في المواريث، ولكل طالب علم يرغب في ضبط هذا الفن العظيم. فهو يجمع بين المذهب الحنبلي الرصين والقواعد الحسابية المتينة، مما يجعله بحق "مفتاح الفرائض" في المكتبة الإسلامية الحديثة. إن العناية بمثل هذه المصنفات هي حماية لإرث نبوي عظيم، وضمان لاستمرار العدالة الإلهية في تقسيم الأموال والتركات بين العباد وفق ما أمر الله به في محكم تنزيله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سامبوك

هدفنا هو توفير كتب مجانيه للقراء




تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *